صرختي الأولى

إرسال إلى صديق طباعة
تقييم المستخدمين: / 2
الأسوأالأفضل 
صرختي الأولى
بقلم: د.م.ميادة ضاي

نجح سامي أخيراً في فتح ذلك الثقب العنيد في جدار الكون,الآن فقط سيكسر الإنسان جدار عزلته في كونه ,ويتواصل مع الأكوان الأخرى إن وجدت سيرصد ما وراء الطبيعة, ضحك لهذه الفكرة. إنه سيرصد ما وراء الطبيعة المعروفة في كونه فقط ولن يهتم بالغيبيات. نجح في ذلك عبر حل مسألته الرياضية المعقدة: تقاطع كون بيضاوي متوسع بسرعات هائلة, مع محور زمني مفترض متوسع هو الآخر بسرعة أكبر من السرعة التي يتوسع بها الكون. مرت سنوات كثيرة من العمل والفرضيات المخفقة, حتى استطاع أخيراً تحديد نقطة تقاطع موافقة لوجوده زمنياً.حمَل المحور الزمني جهاز اتصال فائق, بحيث يستطيع سماع ورؤية ما يقع خارج الكون.

لحظة اقتنصها من سِفر زمن لا أرضي ولا سماوي,لحظة فريدة لن يتمتع بها إنسان بعده,فوفقاً لحساباته ستنقضي ملايين السنين الأرضية قبل أن يوجد حل آخر لتلك المعادلة.
سيغتنم الفرصة ويطلع على أكوان مختلفة,سيرجع لبني جلدته بأخبار مثيرة وجديدة كلياً ولاشك.ولم يخطر بباله ما الذي سيلاقيه فعلاً.ولم يخطر بباله أنه سيلقى كائناً بشرياً.
سمع صوتاً يملأ الدنيا حزناً لو سمعه أهل الأرض لماتوا كمداً.صوت أصمَّ أذنيه وقلبه .تساءل ما هذا الصوت؟ صوت رقيق ولكنه شديد التأثير .
صاح سامي :من أنت ؟
أجابه صوت طفولي عذب :إنه أنا ,ليس لي اسم .لم يكن لدي وقت لأعيشه على الأرض,شخص منكم اغتال زمني.
-أنا سامي من الأرض وأنا بشري .وقد فتحت نافذة على كونكم, فأين أنت يا (بدون اسم) ؟
-أنا في عالم خاص سكانه من الأرواح, ولكن ليست أرواح غريبة عنكم,نحن منكم يا بني البشر .
- هل أنتم أرواح بشرية.
- نعم نحن أرواح الأطفال المقتولين على الأرض.
-وما هذا الصوت ؟
- إنها صرختي الأولى, التي كانت يجب أن تكون في الأرض.أن تصدر فتعانق الأشجار و الآفاق وتبشر بربيع حياة جديدة,ولكني قتلت في لحظة ولادتي .لم تسمح لي يد الغدر بإطلاق صرختي الأولى. فعمري كان أقل من ثانية في زمنكم قبل أن تغتالني تلك اليد الآثمة.فلم أتمكن من إطلاق الصرخة في كونكم.آتي هنا لأجرب إطلاقها فأفشل.
- وما هذه الصورة المروعة المرسومة على صدرك؟
-على صدورنا, تُرسم صورة قاتلنا وهو يستل أرواحنا بدون وجه حق.صورة القاتل الحقيقي وهو يرتكب فعلته الشنيعة في مكان قتلنا .
دقق سامي في الصورة جيداً. إضافة إلى وجوه عسكريين قاسية, رأى أنقاضاَ و قذائف متفجرة ومشهداً دموياً اختلطت فيه الدماء بأشلاء الجثث المتناثرة,وبقايا لوحة مهشمة تظهر أن المكان كان مركزاً لقوات الأمم المتحدة.استغرب سامي ,فمن المفترض أن المكان المقصوف كان ملجأً آمناً للخائفين.
- لا تستغرب ! كانت غصتي في البداية هي عتبي على أمي.ألم يكن الأجدر بها أن تحمي نفسها وتحميني بالتجائها لمكان آمن وهي على وشك الولادة ؟ ولكني عرفت فيما بعد أنها فعلت مع كثيرين غيرها, ولكن قاتلنا لم يراع حرمة أو ميثاقاً أو عرفاً دولياً, فقصف ما يفترض به أن يكون ملجأً.
- ولماذا تحملون صور القتلة؟ هذا مزعج جداً.
-لأننا في زمن قادم لا محالة سنواجههم بها, وسيدفعون ثمن جرائمهم.أما بالنسبة لنا فقد انتهى إحساس الانزعاج مع نزعنا الأخير.وهي مصدر نتعلم منه عن الحياة الأرضية.الحياة التي سرقت منا فرصة التعلم فيها عنوة.
- وهل أنتم كثر؟
- أكثر مما تتصور. أعدادنا بالملايين ومازالت بزيادة مطردة.
- ولماذا؟
- لقد انتهى عهد العبودية وبدأ عهد القتل.في العصور القديمة, عندما كان البشر يبيعون ويشترون بني جلدتهم, كانوا يحافظون على الأطفال في الحروب, ويأسرونهم فهم بضاعة مزجاة, أما الآن ما بقي لحياة الأطفال في ميزانهم قيمة تذكر, واستبدلوا السيئ بما هو أسوأ.
-وماذا تفعلون في مجمعكم؟
- نتعلم.أنا أصغر الوافدين هنا .لم يتسن لي الوقت لأتعلم وأفهم على الأرض, لذا أتعلم عن البشر من أصدقائي وذكرياتهم وصور قاتليهم.وفي كل يوم يأتي وافدون جدد من كل جنس ومن كل حدب وصوب, وفي كل مرة طرق جديدة للقتل,حتى ليكاد المكان يضيق بنا.
- هل تعلمت كثيراً؟
- الكثير, ومازال ينقصني الكثير.تعلمت عن التلاعب بالقوانين وبالعلم وبالعقول وتعلمت عن الجهل والمرض والتخلف والفساد.
استغربت عندما وصل تباعاً عدة أطفال لهم نفس القاتل ونفس الصورة المحمولة على الصدر. سألتهم أما كانت هناك من طريقة توقف القتلة عن فعلتهم الشنيعة؟ فقالوا لي :هناك القانون, وهو إجراءات تحمي حقوق أفراد المجتمع كلهم.ومن الغريب أن القانون حمى القاتل فلم يقتص منه بالمثل, ولم يطبق عليه عقاب رادع بحجة ضرورة حماية الحياة تلك الهبة الإلهية, حياة القاتل, الذي استطاع لمرات الهرب من جريرة فعلته و كرر جريمته.لو كان تلقى عقاباً مناسباًً ألم توفر حيوات أخرى لأطفال أبرياء.ألم يكن لنا في القصاص حياة يا أولي الألباب؟ ألن يرتدع غيره عندما يخاف العقوبة الصارمة؟ فتوفرون وافدين جدد لعندنا. فكانت من أغرب معلوماتي عن الأرض أن هناك من يحمي الجاني ويترك الضحايا بدون اقتصاص لهم, باسم القانون,ومن يدافع عن الجاني ويبرئه من جريرة فعلته وهو يعلم بذنبه لأنه استطاع أن يدفع له أتعاباً باهظة وهو الذي يجب أن يحق الحق ويدحض الباطل. إنه منطق المال والقوة, فالقوانين للضعفاء أما الأقوياء فلهم قانون القوة السائدة.
- وماذا عن رفاقك؟
- إن تجولت هنا وهناك رأيت أشكالاً كثيرة كانت حية فيما مضى حفنة من تراب ,هياكل عظمية , مسوخاً مشوهة, يحملون جميعاً نفس الصورة "كتلة نارية ضخمة"عندما رأيتها ظننت أنها لعبة لها مظهر أحمر جميل لافت, ولكني عرفت أنها قنبلة نووية توصل إليها العلم.قالوا لي أن عالماً أرسل برقية تهنئة لرئيس الدولة التي ألقتها عندما اكتمل تصنيعها.ألم يكن الأجدر به أن يرسل برقيات عزاء للبشرية جمعاء!
- ليس كل العلماء كهذا الرجل ,الكثيرون منهم يستخدمون علمهم لخير الإنسانية ورفاهيتها ولحماية الحياة وليس لهدرها .الحرب لعبة مجنونة قد تستخدم العلم للشر. ولكن العلم منها براء فهو أداة يستخدمها كل إنسان بحسب خياراته وقراراته.
- بالأمس جاء وافدان جديدان في البداية ظننت أنهما واحد يقف أمام مرآة, كأنهما نسختان متطابقتان.يحملان نفس الاسم وهو بلغتهما يعني "أخي" ويحملان نفس الصورة ولهما نفس التصرفات بل يردان نفس الردود عندما يسألان.عندما رأى أحدهما الآخر أمسك كل منهما بندقية أطول منه معلقة على كتفه وصوبها نحو أخيه محاولاً الدفاع عن نفسه,وهو يسبه لأنه قتله .استغربت قولهما وقلت لهما: صورة قاتلكما واحدة مرسومة على صدريكما ,صدما وهما يقولان :لا,مت من الجوع بسببه, أما تلك اليد المرسومة فهي يد محسنة كريمة ساعدتنا تطوعاً وقدمت لنا قروضاً لشراء بعض البنادق لنحمي أنفسنا. كما قدمت لنا كسرات خبز.فسألتهما فلماذا متما من الجوع إذن؟ قالا:بيعت بعض الكسرات لشراء رصاصات للبندقية. فصرنا نتصارع على الكسرات الباقية,في النهاية لم يبق لنا سوى البنادق الفارغة والجثث والديون المتراكمة.
قلت لهما:ألم يكن الأجدر باليد المحسنة أن تقدم لكم قروضاً لتشتروا آلات لتعملوا عليها عوضاً عن البنادق وأن لا تشعل حرباً أهلية بينكما,وأن تقدم أكثر من كسرات خبز, سمعت أنها تلقي بالقمح بالبحر للحفاظ على سعره المرتفع عالمياً,لتطعم السمك. رفقاً بالإنسان قبل الرفق بالحيوان.
-وهل ظلا متخاصمين؟
- لم تمض فترة قصيرة, حتى قرر كل من "أخي" الاندماج مع الآخر في روح واحدة, ورجعا إلى أصلهما لهما نفس الاسم والدم والقاتل أيضاً.
- لم أكن أدرك وجود كل هذه المآسي على الأرض, فأنا مشغول بأبحاثي.
- أراك متأثراً. فما بالك عندما تسمع قصة صديقتي الجميلة ؟
- وكيف قتلت؟
- قتلتها أمها.
- هذا لا يعقل.ربما كانت الأم مختلة عقلياً.
- لا يمكنك أن تتكهن عدد الأطفال المقتولين من قبل ذويهم.جاءت طفلة صغيرة جميلة وسعيدة بموتها تحمل صورة امرأة ضاحكة تشبهها كثيراً سألتها: من هي؟. قالت: أمي.عقلت الدهشة لساني مستغرباً سعادتها بموتها ولكنها استطردت :"قتلني جهلها وجهل أمها من قبلها, فحكم الجهل متوارث عند البنات في عائلتنا. من يدري لو عشت وأنجبت لقتلت ابنتي بجهلي!".وعرفت أن في الدنيا ما هو أبشع من الموت. وهو الجهل.جهل أمها واستسلامها له قتلا الفتاة, جعل الثكلى تفرط بأعز مخلوق لديها دون أن تشعر, ودون أن تحاول كسر قيودها الثقيلة.
- قصة رهيبة مؤثرة .
- نعم,وكذلك قصص أطفال الرقيق الأبيض الذين تتزايد أعدادهم بشكل لافت.ألم تُمنع العبودية؟
- نعم هي ممنوعة, ولكن هناك عصابات تمارسها مقابل الذهب.
-الذهب ! أعرفه.... قالوا لي أن من قتلني دفع ثمن روحي ذهباً, ولكن من يملك روحي ليبيعها ويقبض ثمنها؟ أو ربما دفع ثمن البيت الذي فجره. وهل البيت أكبر قيمة من روحي حتى يعوض ولا تؤخذ روحي بالحسبان؟ استعلمت عن الذهب فعرفت أنه قطع معدنية تحت قدمي الإنسان وليست معادلاً له, وليست أثمن منه.
كل يوم آتي إلى حدود المجمع, وأنفرد بنفسي مطلاً على الأكوان الأخرى, أجرب صرختي الأولى التي اغتالوها.أسمع صداها مختلطاً بصوت تساقط دموع الشجر,دموع الحجر,دموع السموات والأرض ,دموع كل شيء ما عدا الإنسان. أفلا يسمعني أحد من البشر؟ أصيخوا السمع! ألا تسمعون؟ألا تسمعون؟!!!!
- سمعتك يا بدون اسم,ولكن يبدو أن الزمن سيتجاوز الثقب الذي أحدثته وسأفقد الاتصال معك.
فقد سامي الاتصال ذاهلاًًًًًًً فقد صعقته الصرخة التي سمعها, وأدت إلى فقدانه وعيه لأيام, وعندما استيقظ كان في المشفى وحاول التحدث عن تواصله مع كون آخر, وسماعه للصرخة. اعتبره الأطباء في حالة ذهنية مشوشة وأن المعلومات التي أوردها كانت مخزنة في لاوعيه,وأن الجهاز الذي كان يستخدمه صعقه كهربائياً بسبب سقوطه عليه فور إغمائه. مما أدى إلى إصابته ببعض الاضطرابات العصبية .

إحصائيات الموقع

زيارات اليومزيارات اليوم230
زيارات البارحةزيارات البارحة123
زيارات الأسبوعزيارات الأسبوع598
زيارات الشهرزيارات الشهر1956
جميع الزياراتجميع الزيارات518110

إستطلاع رأي

ما رأيك بخدمات الموقع ؟




النتائج

أنت في : قصص خيال علمي صرختي الأولى